المسيب بنت الفرات

كتبهاhaydar alahmar ، في 9 كانون الثاني 2008 الساعة: 11:47 ص

جنوب العاصمة بـ 65 كلم يمر الفرات الهادر بين صدر مدينة عذراء ناعسة حنى عليها ليكون لها سكناً. هذه المدينة هي مدينة شاركت التأريخ صنع أحداثه، فبانت ملامح الزمن عليها وعلى معالمها فشهد لها بتحملها الضيم والصبر ألماً وكمداً حتى لاتقول للظالم نعم وحتى لا تأكل بثدييها، فما كان منه سوى أن يجازيها بالجفاء والإهمال، لانعرف هل لتكون عبرة لكل من وقف بوجه الظلم والدكتاتورية؟ بل كانت هذه المدينة الشماء حربة في خاصرة البعث الكافر وأعوانه الظالمين، وبالمقابل كانت حفراً لضم رفات الأبطال بالمقابر الجماعية الذين كانوا نبراس في طريق من أتى بعدهم، ولم تكن هذه كافية بالنسبة للحاقدين على شجاعة هذه المدينة بل زادها الضيم والظلم بجعلها حال أغلب مدن العراق إن لم تكن أسوأها من ناحية العمران والخدمات، فمن هجرها هرباً من البعث في قبل عدة عقود وعاد إليها بعد سقوط الصنم وجدها أسوء ماكانت!
ومن ضحكات التأريخ عليها ما ذكره الرحالة البرتغالي ستيفن هيمسلي حين مر بها برحلته عام 1604م واصفا لها بقوله : ( خاناً كبيراً يقوم في موضع مناسب على الفرات فوق أنقاض مدينة قديمة كانت تسمى المسيب) .
ففي كل زمان يقسوا عليها فيهدها فتعود من بقايا مدن ومن خان إلى مدينة تضاهي بما بها المدن.
فهذه المدينة المجاهدة حالها حال محبي أهل بيت النبي محمد (ص) الذين يودوّن قربى الرسول الأعظم فتجدها كالكشاف الذي مِن خلال رؤية هذه المدينة يستطيع تحديد نوع حاكم العراق أهو كافر وظالم أم هو مؤمن موالي للإسلام، فتتهدم المدينة على رأس أهلها في الحالة الأولى وتزدهر بالثانية بقوافل زوار كربلاء المقدسة مروراً بها، فيذكر التأريخ إن من ضمن من مر بهذه الأرض الطيبة هو الشاه عباس الصفوي (وقد استطرقها الشاه عباس بموكبه لزيارة العتبات المقدسة وأمر ببناء معقل هناك لاستراحة المسافرين والزائرين في الجهة الجنوبية من النهر على ضفة الفرات ) فهذه المدينة المجاهدة ضحت ومازالت تضحي من اجل تحرر
العراق من نير الاستعباد والأنانية إضافة إلى إنها عصب من أعصاب اقتصاد عراقنا الحبيب من عدة نواحي كالزراعة (ففي العهد العثماني للعراق كانت المسيب ذات أهمية كبيرة من الناحية المادية التي توفرها الزراعة للحكومة آنذاك …فقد كانت تعتمد عليها إضافة للحكومة المناطق القريبة من الحلة وبغداد) ، و تشتهر المسيب بزراعة الشلب والتمور والفواكه وكذلك سوق لتوريد المواشي لباقي مدن العراق والعاصمة بالذات، إضافة إلى إنها ركن من أركان السياحة الدينية التي هي نفط دائم لا ينضب، ففي وسط هذه المدينة قرب فلكتها الدائرية تربض حسينية أهالي المسيب تجمّع المؤمنين وملاذ أهاليها الطيبين، وتبعد مدينة المسيب عن كربلاء المقدسة بـ 25 كلم فشاركت جغرافيتها بمعركة الطف فضمت أضرحة عديدة من الصحابة وأهل بيت الرسول (ص) ففيها يرقد أولاد مسلم ابن عقيل– محمد وإبراهيم - (ع) وقصة شهادة ولدي مسلم بن عقيل (ع) بعد انجلاء معركة الطف سنة 61 هـ وكيفية هروبهما من السجن مشهورة والتي بكى بروايتها التأريخ، يقع المرقد إلى الطرف الشرقي من المسيب، وقبر الإمام أبو يعلي العرزمي
هو السيد الجليل أبو يعلي بن الحسين بن علي العرزمي بن محمد بن جعفر بن الحسن بن الإمام موسى الكاظم (ع) وقد اشتهر بكنية محلية شائعة هي (أبو ورور )، وكان الشيخ علي القسام أول من نَسَبَ هذه المراقد في كتابه (السفر الطيب في تاريخ مدينة المسيب)، وقال عن صاحبه ( السيد الجليل والفاضل النبيل ابن السادة الاماجد المقتول ظلما استشهد في طريق قصر ابن هبيرة) .والسيد إبراهيم المجاب بن السيد محمد العابد بن الإمام موسى بن جعفر(ع) أخو محمد ذو النفس الزكية (ع)،
وابنه الإمام احمد ويكنى بـ(أبو القاسم )، ومرقده من المراقد المقدسة في مدينة المسيب هو مرقد السيد احمد بن إبراهيم المجاب بن محمد العابد بن موسى الكاظم (ع) وكنيته أبو جعفر, واشتهر بكنية محلية غلبت على كنيته السابقة وهي اسمه ( أبوالجاسم ), ولد في كربلاء وانتقل إلى مدينة قصر ابن هبيرة حيث أدركته الوفاة فيها، ويقع مرقده شرقي المسيب على مسافة عشرة كيلو مترات تقريبا، وفي داخل المسيب المدينة قبر السيد محمد الذي يرجع للإمام موسى بن جعفر (ع)، وأيضا على إطراف المدينة قبر أحد أبناء الإمام موسى الكاظم (ع) . إضافة لقبر السيد الجليل إبراهيم بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي ابن أبى طالب (ع)، والذي أشار إليه دعبل الخزاعي بقوله:
وقبرٌ بأرضِ الجوزجانِ محلهُ وقبرٌ بباخمرا لدى الغربات .

فالمسيب (باخمرا) كانت ومازالت حاضنة الأولياء الصالحين.
ففيها الكثير من ما يبحث عليه الزائر والباحث التأريخي، إضافة إلى إنها ممر من بغداد والمحافظات الشمالية إلى كربلاء المقدسة وباقي مدن الجنوب.

وفيها قال بعض الأدباء:
سرحْ الطرف في المُسيبِ يُسَيبُكَ           جمــالٌ مِن مَنظــرِ فَتانِ
مّر يشـدوا لها الفـــــــرات أغانيهِ           مُحبــاً في رقـــةٍ وحنان
النخيل النخيل يضفــي عليها  كلَ          حسنٍ من خضـرةِ الأفنانِ

عـامَ في وجههـا راحت تمنيـــــهِ          وعــود الوصال في نسيان
ياعروس الفـرات لأنت روضـاً          مونقناً بالـــورود والريحانِ



أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “المسيب بنت الفرات”

  1. شكرا على هذه المقالة بخصوص هذه المدينة المسكينة مع اهاليها الذين لم ينعموا بخير العراق على مر الزمان كباقي مدن العراق انلم تكن تلك المدن أسوأ منها ؟؟؟؟ولكن تبقى المدن من صنع اهلها فتعاونوا على تنظيفها واعمارها لتفخروا بها بجهودكم كما تفخرون بتاريخها العتيد



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر