لمن يعرف القصة القصيرة عن طريق الدراسة او غيرها مما يملك من معلومات عن القصة القصيرة أن يصنفوا المنجز القصصي إلى اتجاهات شتى، ولهم أن يصفوها بما يلائمهم من أوصاف تتراوح بين القوة والضعف، أما عند النظر إليها بوصفها جنساً أدبياً قائماً فينبغي علينا أن نعيد التأمل في القصة القصيرة الحديثة نفسه: طريقة تشكله في ثقافتنا ومن ثم كيفية استقباله، وهو ما نريد الإشارة إليه في هذه الورقة التي لا تمثل سوى مدخل يرمي إلى دراسة هذا الجنس الأدبي في بلادنا.إن الكتابة عن تشكلات الأجناس تحمل من العوائق والميل إلى العود إلى رسم الحدود بين الأجناس الأدبية في ضوء ثقافة بدأت ترسم معالم جديدة لمفهوم النص، لكنني سأسعى إلى معالجة لا تندرج في سبيل البحث وراء تقييد الابداع وصنع حدوده، لأن ذلك يتنافى مع أبسط القواعد للكتابة الابداعية ذاتها، ولكنه زعم قراءة التجربة وقد جعلت جنس القصة القصيرة إطاراً لها، وجعلت منطقة (العمى) في هذا الجنس الأدبي موضوعاً لها.وحتى تتجلى هذه المنطقة فنحن أمام نوعين منه في القصة القصيرة: عمى داخلي يتمثل في ذلك النوع من القصص الذي يكتب غير مستند إلى أبسط قواعد هذا الجنس الأدبي، وغير معتمد على التجريب الواعي الذي يعتمد على كثافة التجربة وسعة الثقافة، وعمى خارجي يتمثل في تلك المنطقة (المنزلية بين المنزلتين) التي توشك أن تفضي بهذه الكتابة إلى جنس أدبي آخر، ولكنها لا تنجح في ذلك.بدأت بواكير القص الحديث في مشهدنا الثقافي منذ سبعين عاماً (وأعني بالقص الحديث الفنون القصصية الحديثة التي أنجزت عربياً بأسبقية للرواية ثم القصة القصيرة)، وهي فترة تكفي للاسهام في الدلالة على أمرين مهمين: أولهما نفي حداثة التجربة وعدم اكتمال النضج، إذ مثلت أحدث التجارب الابداعية في العالم العربي، ما أدى إلى تميز هذا الجنس بكثافة الإنتاج واختلاف مشاربه.وثاني هذين الأمرين هو تمايز الابداع لدينا، إذ يتميز الشعر عن القصة بتحقيقه الجانب التأصيلي والتجذيري المحايث في ثقافتنا، في حين غاب هذا الجانب التأصيلي المحايث في القصة ومن ثم غياب النموذج الذي تنبني عليه فلسفة الابداع المنصبة على المشاكل والاختلاف، وإن حضر هذا التأصيل فسيكون حضوراً مبهماً غير فاعل لا يجدي في اثراء القص.إن هذين الأمرين قد أوجدا اشكالين اثنين في المنجز الإبداعي للقصة القصيرة وهما: الموقع المتلاشي وغير المحدد للقصة القصيرة بين الأجناس الأدبية ولاسيما الشعر والرواية، والموقع غير المتميز لدى المتلقي الذي لا زال خاضعاً لأعراف تلقي الشعر والوعي الشفاهي.بين التلاشي وعدم التحديد في القصة القصيرة ذاتها وانعدام التلقي الفاعل لها سنتعرف فيما يلي على الاشكال الأول المتمثل في موقع هذا الجنس الأدبي الذي لم يحقق أنموذج العراقة كالشعر، ولا نجح في تحقيق أنموذج الحداثة كالرواية، على الرغم من سرعة انتشاره وسريانه في الساحة الأدبية، ولذلك بدا في منزلة بين المنزلتين، إذ تجلى متصلاً بالرواية في ظروف ولادته - على الأقل في عالمنا العربي - وفي تقنياته التي كثيراً ما تعقد لها المقارنات مع الرواية، فحين نشير إلى ظروف ولادتها، نلمح لها ارتباطاً غير محدود مع الرواية والموسوعات وفي كتب التاريخ الأدبي، التي تشير إلى استهلال الكتابة الابداعية للقصة والرواية.سنلحظ هذا النص في إحدى الموسوعات العربية وقد ربط تجربة القصة القصيرة بالرواية في العصر الحديث، على الرغم من التفاوت الكبير بينهما في البنية الفنية أو الحجم "أما القصة القصيرة بمفهومها الحديث فقد تأخرت بضع سنوات في نضجها الفني عن الرواية.. فجذورها ترجع إلى الرُّبع الأول من القرن العشرين، وكان من روادها محمود تيمور ويحيى حقي.. ثم دخل عدد من الكتاب عالم القصة القصيرة، وحظيت بجمهور لا يقل عن جمهور الرواية، كما ناقشت كثيراً من القضايا الاجتماعية والسياسية والفكرية، مستفيدة من قصرها وسرعة ايقاعها وعجلة الجمهور.. فأضحت القصة أكثر جرأة وأشد تأثيراً في حياة الناس ومجتمعاتهم من الرواية ذات النفس الطويل الهادئ (انظر: الموسوعة العربية العالمية).من جانب آخر يشير أحد الدارسين لهذه التجربة وهو سحمي الهاجري في كتابه (القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية) حين يحدد تعريفاً للقصة القصيرة إلى ذلك التداخل الواقع بين القصة القصيرة والرواية "كان هناك تداخل بين المصطلحين في بداية ظهور الفن القصصي، فقد شاع الاعتقاد بأن أحدهما تصغير للآخر أو اختصار له" (ص 70)، أما منصور الحازمي في كتابه (فن القصة في الأدب السعودي الحديث) فقد رأى تداخل القصة القصيرة مع المقالة "المقالة هي القالب الأدبي الملائم الذي يتحمل الحقائق الموضوعية، كما يتسع، إن لزم الأمر، للعواطف الجياشة الهادرة والتوجيه والوعظ. فإن كتبوا قصة قصيرة أو طويلة، جاءت صورة أخرى من المقالة الاجتماعية التي تتوخى الإصلاح ولا تلتزم بشروط القصة وقواعدها" (ص 87).إن ولادة القصة القصيرة في بلادنا كما في غيرها من البلدان العربية قد تزامنت مع خلط في مسألة التجنيس، فهي متصلة بالمقالة الصحفية اتصالاً مباشراً كما يشير الحازمي، وهي متصلة بالرواية كما تشير أغلب الدراسات التي تحاول أن تضيء تعريف القصة القصيرة كما أشار سحمي الهاجري، وهي متصلة أيضاً بالحكاية الشعبية إذ يشير الهاجري في كتابه الذي ذكرناه أعلاه إلى تأثير هذه الحكايات في القصة القصيرة في مرحلة النشأة، وحملها لسمات كثيرة منها، كما أن الصراع في هذه القصص غالباً ما يكون صراعاً خارجياً ضد الظروف، أو ضد شخصيات أخرى، بينما يقل الصراع داخل الشخصية نفسها، كما أن الحركة في هذه القصص خارجية شأن القصص الموجه للسامع، والأحداث هي أهم عناصرها، مع الحفاظ على التسلسل الزمني لهذه الأحداث. (ص 60)، وبما أن القصة القصيرة تقترب في شكلها من الحكاية الشعبية فإنها أصبحت حاملة لسمات القليد الشفاهي، ما جعل الكتابة في هذا الجنس تحمل بعض جذو
























